من أبرز العادات السيئة التي حرص الإسلام على علاجها منذ اللحظة الأولى لنزوله عادة شرب الخمر، وقد اعتمد في تغييرها وتغيير غيرها من العادات السيئة مبدأ التدرج مع ملاحظة الخطوات التالية في ذلك:
1.بيان حقيقة الخمر:
والحديث عن منافعها ومساوئها وعدم التركيز على المساوئ أو المبالغة في ذلك ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ).
﴿البقرة: ٢١٩﴾. وبيان الحقيقة مع عدم المبالغة يفيد شريحة العقلاء من الناس حيث ثبت أنه بعد نزول هذه الآية امتنع بعض المسلمين عن شرب الخمر، وبدأت النفوس تتهيأ للنفور منه ، فبعد أن كان عادة مقبولة اجتماعياً لا تلقى أي معارضة بين الناس بدأ القرآن وفق نهجه التدريجي بتكوين استجابة معارضة لهذا القبول من خلال إيضاح الحقيقة، وما أحوجنا ونحن نكافح المخدرات إلى هذا الأسلوب الذي يبدأ بإيضاح الحقيقة دون مبالغة وبيان أن هذه المخدرات مواد نافعة حين تعطى بمقادير دوائية لتسكين الآلام والأوجاع وهذا ما يُعمل به في المستشفيات والعيادات الطبية، ولكنها تصبح سماً زعافاً عندما تؤخذ بمقادير كبيرة، ومع أن متعاطيها يحصل على نشوة كبرى كنشوة متعاطي الخمر، وربما أشد ـ وهذا نفع بلا شك ـ إلا أن حجم الأذى والضرر على جسده، وعقله، نتيجة الاستمرار في التعاطي أكبر بكثير جداً من هذا النفع المؤقت الذي يستشعره.
إن تناول مشكلة المخدرات بالطريقة التي تناول بها القرآن مشكلة الخمر يتيح لنا الفرصة لجعل المدمنين ينصتون، في حين أن التركيز فقط على مساوئها يجعلهم ينفرون من السماع، ذلك أنهم يعتقدون أن لها منافع لا نعرفها نحن، لأننا لم نتعاطاها، وفي هذا يكون القرآن قد كشف عن مبدأ نفسي لم يفطن له البشر إلا مؤخراً وهو أن قول الحقيقة حتى عن أكثر الأشياء ضرراً خير من إغفالها، لأن الحقيقة الكاملة هي التي تتيح للمتحدث الفرصة لجعل المدمنين يستمعون إليه، وعندها يستطيع البدء بتكوين الاستجابة المعارضة للسلوك المعتاد.
2. التنفير المنطقي على خلفية إيمانية:
المعتمد على مبررات منطقية:(. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) ﴿النساء: ٤٣﴾.
وتعلموا ما تقولون هي المستند المنطقي للتنفير فمن يشرب الخمر سيخطئ في قراءة القرآن من حيث اللفظ، ولن يعرف المعنى وسيفقد القدرة على الخشوع في صلاته، وهذا كله سينفر الفرد من الخمر، وحين يُقلع خمس مرات في اليوم هي عدد الصلوات لن يبق لديه إلا وقت قليل ينفق معظمه في النوم.
فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الخطاب موجه للذين كان النبي يبني الإيمان في نفوسهم أدركنا أن التربة المناسبة لقبول هذا الخطاب الرباني هي تربة كونَّها الإيمان والخوف من الله والارتباط به. إن نهي المسلمين عن تعاطي الخمر في أوقات الصلاة مع بناء الإيمان في نفوسهم وتهيئتهم لما بعد ذلك أسلوب انفرد به القرآن الكريم. ولم يكن لهذه الخطوة أن تصل إلى هدفها في جو ضعف الإيمان، لذا كان لابد من ربطها بزيادة إيمان الأفراد، وربما كان هذا هو السبب وراء نزول الآية في المدينة وليس في مكة، حيث كيان الأمة المسلمة قد تشكل، وازداد تجانس أفرادها، وصارت الأهداف واضحة، وكذلك عوامل ترابط الأمة وتقوية بنيانها، وصارت تلك الأمة بحاجة ماسة لإلغاء كل العوامل التي تضعفها، والتركيز على هذه العوامل التي تضعفها للتخلص منها، ومنها الخمر، ولكن بطريقة تقبلها النفوس المؤمنة، ذلك أن شرط مخاطبة الناس بالقرآن هو أن يكون المخاطَب ممن يؤمن بالله واليوم الآخر: (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) ﴿ق: ٤٥﴾
وبالمقابل حين نذكر بالقرآن من لا يخاف وعيد، فهل سيكون للقرآن عليه نفس الأثر؟
والجواب بتقديري لا.
لذا كانت التربة النفسية التي أولاها النبي ﷺ هي الإيمان القلبي وليس الإيمان اللفظي.
3.الخطوة الثالثة:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ
فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ﴿المائدة: ٩٠﴾
في هذه الخطوة جاء النهي والامتناع عن تعاطي الخمر، وقد جاءت هذه الخطوة بعد سابقتيها، وبعد أن قطعت نفوس الذين يتعاطونه شوطا، بدأ ببيان حقيقته، ثم حين أدرك الجميع هذه الحقيقة، جاءت الخطوة الثالثة التي ذكَّرت المؤمنين بحقيقة الخمر وأنه رجس من عمل الشيطان، وقرنت الخمر ف هذه الخطوة بمجموعة من السلوكيات التي كانت مستساغة قبل الإسلام، وهي الميسر، والأنصاب والأزلام، كما ربطت هذه الخطوة اجتناب كل هذه الأصناف من الرجس بالفلاح الذي يبحث عنه كل مؤمن، وهو الجائزة التي يعد الله بها من يتجنب هذه الأصناف.
كما أوضحت الآيات أن هذه الأصناف من الرجس، هدف الشيطان من وراء إغراء الناس بممارستها، هو إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وصدهم عن الصلاة، فمن يتعاطى الخمر من المؤكد أنه سيفقد عاجلا أم آجلا وعيه، وعندها يمكن أن يقول أو يفعل ما لا يريده، ووقتها لن يذكر الله ولن يصلي وقد يمتنع عن كل خير يأمره به ربه.
فهل نستطيع الاستفادة من هذه الخطوات الثلاث لعلاج بعض العادات السيئة عند من نربيهم من الأبناء والبنات، بدل التركيز والوقوف عند نقطة واحدة منها؟ من المؤكد بعد تجربة الأخذ بها جميعا سيكون الجواب: نعم نستطيع.