مقدمة:
يشهد المتتبع للحركات العلمية في علم النفس ظهور عدة حركات مع مطلع القرن العشرين هي حركة التوجيه والإرشاد النفسي (movement of Guidance and counseling) وحركة القياس (movement of psychometrics) وحركة الصحة العقلية (movement of mental hygiene) وحركة دراسة الطفل (movement of child study) وحركة التحليل النفسي (movement of psychoanalysis) إلا أن حركة التوجيه والإرشاد النفسي كانت أنشطهم جميعا، ثم امتدت أنشطتها وخدماتها من المجال المهني لتغطي المجالات النفسية والتربوية.
إضافة لما ذكر فقد كان لنظرية السمات والعوامل التي ظهرت على يدي بارسونز وكذلك حركة القياس النفسي أثرهما على تدعيم حركة التوجيه النفسي في المجالين المهني والتربوي، وقد عضدها أيضا كل من حركتي الصحة العقلية ودراسة الطفل اللتين انتقلتا بها إلى المجال الاجتماعي لتنمية العلاقات الأسرية لاسيما بين الآباء وأطفالهم، ولم تستغن الحركات النفسية سالفة الذكر عن تدعيم حركة التحليل النفسي لها لاستكمال بنيانها في المجال الشخصي للفرد فيما يتعلق بانفعالاته وما قد يمسها من اضطرابات تضعف من صحته النفسية.
وتطور الإرشاد النفسي بعد ذلك ليمارس مع قطاع عريض ومتباين من البشر مما جعله مشتركا بالضرورة مع الممارسة المهنية لكثير من المنتمين للحركات النفسية المترابطة والمدعمة كل منها للأخرى.
وقد زادت الحاجة للإرشاد والمرشدين النفسيين في المجتمعات الغربية نتيجة للتطور المذهل الذي أصاب الحياة بشقيها المادي والاجتماعي مما ترك بصماته على الجانب النفسي للأفراد.
والمتتبع لمجريات الأحداث في العالم الذي نحن جزء منه يرى بصورة لا لبس فيها هذا التغير المذهل الذي أصاب حياتنا أيضا وهو بتسارع في نواحي الحياة كلها، ولم يعد بمقدورنا ولا بمقدور أي أمة أن تبقى بمعزل عنه، وبات التسابق بين الأمم اليوم في أحد وجوهه المهمة يكمن في حجم الجهود المبذولة للتعامل مع هذا التغير والحفاظ في الوقت نفسه على هوية الأمة ومقدراتها بحيث تستطيع أن تبقى محافظة على أصالتها وقادرة على النمو والتطور وتحقيق الشهود الحضاري بين الأمم الذي من أجله جعلنا الله عز وجل أمة وسطا.

المبررات :
- إن الإنسان أيا كان موقعه لا يمكن وصفه بالتكامل في جميع جوانب شخصيته، فلابد أن يصدر عنه
- هفوة أو زلة، ولابد أن يتعرض لموقف أو ضغط، مما قد يخدش جانبا من جوانب شخصيته فينتج عنه نوعا من القلق والتوتر والاضطراب ولو لفترة قصيرة في أية مرحلة من مراحل عمره.
- فمن منا لم يتعرض لموقف ما في منزله مع زوجته أو أحد أولاده يجعله يخرج عن اتزانه النفسي وثباته الانفعالي فيثور ويغضب؟
- ومن منا لم يحاول أن يحقق أهدافا أكثر من طموحاته وأقوى من طاقاته؟
- ومن منا لم يندب حظه ولو لدقائق معدودة بسبب عجز أصابه أو فشل تعرض له؟
- ومن منا لم يتشاءم لحدث وقع له، أو ظن سوءً بفرد ما من المحيطين به؟
- ومن منا لم يمارس عادة قد تكون مكروهة بدرجة ما حتى لو كانت بسيطة في نظره وفي نظر الآخرين؟
- من منا لم يحتج في لحظة إلى شخص آخر يواسيه فيما ألم به من مصائب؟
- وكل هذه الحالات والمواقف لا شك أنها تجعل من يتعرض لها يعاني من ارتباك أو قلق بدرجة ما، لأن لا أحدا منا معصوم أو منزه، وبالتالي فنحن جميعا نحتاج لاستعادة توازننا بعد كل حرج أو قلق أو ارتباك أو شعور بالذنب، وهذا كله يتطلب وجود مراكز تعنى بمساعدة الأفراد على استعادة توازنهم النفسي جراء كل ما سبق.
- إذا كان الخطأ والضعف والقلق والارتباك سمة تميز كل البشر كما أسلفنا فإن الأخذ بعين الاعتبار حجم التغير الذي يصيب المجتمعات الحديثة والذي يزداد مع زيادة سرعة التواصل نتيجة التقدم المذهل في تكنولوجيا الاتصال فإن ذلك يزيد من أهمية مراكز الاستشارات التي تعنى بالاضطرابات السلوكية والمشكلات الاجتماعية والأسرية التي تنجم كل يوم عن هذا التغير المتسارع للظروف الاقتصادية والاجتماعية والتي أوجدت مشكلات اجتماعية لم تكن موجودة من قبل، مما ألقى بأعباء كثيرة على الأسرة جعلتها بحاجة ماسة لالتماس المعونة من المتخصصين في الجوانب النفسية والاجتماعية.
- إضافة إلى أن زيادة مساحة الوعي بأهمية الإرشاد النفسي لدى شريحة من أبناء المجتمع تجعل التركيز على الإسراع بتقديم الخدمات الإرشادية أمرا في غاية الأهمية.
- وحيث أن الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تقوم بدور الرعاية للأبناء منذ ولادتهم وبالتالي فإن المناخ الأسري يؤثر بشكل واضح على الأبناء سواء كان هذا المناخ سويا أم مضطربا بخاصة أن اضطراب المناخ الأسري يساهم بصورة مباشرة في اضطراب أفرادها، وبالتالي تزداد حاجتهم لعلاج هذه الاضطرابات في حال ظهورها.
- ولا تقتصر المسألة على العلاج، بل تتعداه لإيجاد آليات للوقاية من الوقوع في حبائل المناخ المضطرب. وبالتالي فهناك مبرر قوي لإنشاء مثل هذه المراكز بغية تقديم البرامج الهادفة لوقاية الأسر من حبائل الاضطراب.
- ومن ناحية أخرى فقد وصلت نسبة أصحاب الاحتياجات الخاصة في المجتمعات إلى حوالي 10٪ من المجموع العام للسكان، وهي متنوعة مثل: (الأطفال الصم، أو المكفوفين، أو المتخلفين عقليا، أو الذين يعانون من التوحد، أو متعددي الإعاقات، أو أصحاب التشوهات الجسمية … الخ )، وهؤلاء هم وأسرهم بحاجة للمساعدة، ويعتبر تعلم أسرهم للطرق الملائمة للتعامل معهم من الأمور الحيوية والمهمة، التي تساهم في تحسين حياتهم من ناحية، كما أنها تعمل على الأخذ بيدهم والتقليل من معاناتهم، ومعاناة أسرهم من ناحية أخرى، وهذا الجانب أحد العوامل التي دفعتنا لإنشاء وإطلاق هذا المركز منذ عشرين عاما.
- إضافة لما سبق يعتبر ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمعات بعد الزواج بفترة طويلة أمرا ينذر بكوارث على الصعيد الاجتماعي سواء في الجانب الإنساني أو المادي، ويعود هذا الارتفاع في جانب منه إلى جهل الشباب من الجنسين بسيكولوجية الطرف الآخر مما يعني أن الحاجة ماسة لوجود مكاتب ومواقع للاستشارات الزواجية.
- إضافة إلى ارتفاع نسب الطلاق لدى الأزواج الشباب بعد الزواج جعل الحاجة ماسة جدا لدراسة المشكلة والتعرف على اهم العوامل المرتبطة بها، بهدف زيادة الوعي النفسي لدى كل من الشاب والفتاة قبل الزواج بشريكه للتقليل من نسبة هذه المشكلات من ناحية، ولزيادة سعادة الزوجين من ناحية ثانية، وهذا مبرر آخر لإطلاق هذا المركز.
- ولقد لاحظنا حاجة المدارس والمؤسسات التربوية إلى مرشدين نفسيين مدربين مما يعني أن بيت المشورة بمقدوره تقديم ما يحتاجه هؤلاء المرشدين لرفع كفاءتهم الإرشادية.
- إضافة لكل هذا فإن الدراسات التي أجريناها على الجهات التعليمية والشركات والمصانع تؤكد الحاجة إلى تحديد العوامل المرتبطة بالمشكلات التي تعاني منها والتي تعيق تحقيق أهدافها، وتراكم مشكلاتها، حيث وجدنا أنواعا من المشكلات لدى هذه الجهات بعضها يتعلق بتراجع الإنتاج وبعضها يتعلق بضعف انتماء العاملين لها، وبعضها يتعلق باختيار القيادات الإدارية فيها، لهذه المبررات مجتمعة سعينا ومنذ عشرين عاما لإنشاء بيت المشورة بشقه الذي يقدم الاستشارات وبشقه الآخر الذي يقوم بالدراسات والبحوث بهدف مساعدة هذه الجهات على تحديد العوامل المرتبطة بالمشكلات التي تعاني منها، وأيضا بهدف مساعدتها على وضع الخطط العلاجية والوقائية التي تجنبها هذه المشكلات.