كثيرة هي جوانب الحياة التي تبقى بدون تفسير، لا لأنها في الحقيقة لا تفسير لها، وإنما لأننا ألفناها ولم نقف يوما عند السؤال التالي:
ما الحكمة منها؟
والألم واحد منها سواء كان هذا الألم نفسيا أم جسميا، مع أن الألم النفسي يبدو ـ وأقول يبدو ـ داخليا ولا نعبر عنه أحيانا كثيرة وبالتالي فلا يحس به الآخرون، في حين أن الألم الجسدي قد يترافق بالصراخ وكثرة الحركة والتلوي أحيانا..
فلماذا خلقنا ربنا بأعصاب تنقل الألم فنحس به؟
فنزهد بكل الموجودات المحيطة بنا لحظة حدوثه إن كان شديدا؟
وقد يقدم أحدنا كل ما يملك أيا كان ما يملكه لحظة الألم كي يتخلص منه؟
ولا أنس ذلك الرجل الذي زارني في العيادة وهو في حالة من التوتر والقلق الشديدين، فقام بإخراج دفتر شيكات من جيبه، وقعه، ثم وضعه أمامي على المكتب، ووضع فوقه القلم الذي وقعه به، وقال لي:
(دكتور في حساب هذا الشيك مليون ومئتان وخمسون ألف ريال، خذها هي حلال لك، ولكن خلصني من الحالة التي أعاني منها).
وكان هذا الرجل يعاني من نوبات هلع حادة جدا، قلبت حياته رأسا على عقب..
وأفقدته طعم الحياة..
ولأنه كان يريد حلا بطريقة السيد المسيح، أي بمسحة اليد، تركني وخرج ليعود بعد أسبوع يلح بطلب الحل، وقبل أن أبدأ بتوضيح مراحل وخطوات الحل، أخذت الشيك الذي قدمه لي مع القلم الذي وقع به عليه، وقلت له لو سمحت خذ الشيك والقلم، ودعنا نتناول الحل الذي تحتاجه، والجميل أنه التزم بطريقة العلاج السلوكي التي وصفتها له فتعافى ولله الحمد والتقيت به في المطار بعد ثمانية أيام في الحافلة التي توصل الركاب من الصالة إلى الطائرة..
هذا حصل بعد أن وصلت به الحالة أنه كان يخشى الاقتراب من المطار لشدة الحالة.
تبقى النقطة المهمة التي جعلته مستعدا للتخلي عما يزيد عن مليون ريال لشدة وهول ما كان يعاني منه..
إنه الألم الذي كان يعاني منه وهو مجموعة من الآلام النفسية المتوهمة، والتي كان جلها يظهر عنده في صورة آلام عضوية مجهولة السبب، حيث مر على العديد من الأطباء، الذين طلبوا منه جميعهم نفس الطلبات:
تحاليل الدم..
صور الأشعة..
تخطيط القلب..
وبعضهم رسم المخ..
وغيرها..
وكان يعيش تحت وطأة أنه سيموت أو يفقد عقله في أي لحظة..
إنه الألم الموهوم، المصاحب لنوبات الهلع، الذي يحس أنه عضوي وهو في الحقيقة ليس كذلك…
هذا على صعيد مشكلة بسيطة في حقيقتها..
ضخمة فيما تخلفه لدى من يعاني منها من مصاحبات نفسية تدور كلها تقريبا حول خشية الموت، أو الخشية من الجنون…
ولكن على صعيد آخر:
هل هناك علاقة بين شعورنا بالألم في الدنيا بسبب أسناننا مثلا؟
أو كسور أقدامنا وأيدينا وغيرها من عظام الجسم؟
أو بسبب مغص في بطوننا؟
أو بسبب حرق أصاب جزءً من جلودنا؟
أو حصوة في الكلية أو الحالب بدأت تتحرك؟
هل لكل صور الآلام هذه علاقة بخوفنا من نار الآخرة؟
وهل الألم صديق أم عدو ينبغي التخلص منه؟
لتحديد هوية الألم، والخانة التي ينبغي إدراجه فيها..
هل هي خانة الأعداء أم الأصدقاء تابعوا معي هذه القصة:
طفلة صغيرة ولدت قبل ولادة أخيها الذي يكبرها بسنتين تقريبا حازت على حب أبويها وجديها لما حباها الله من صفات..
كانت كثيرة الحركة وفي كل مرة تخرج فيها لحديقة البيت أو إلى منطقة لعب الأطفال تعود بقدر ملحوظ من الكدمات والخدوش..
وفي كل مرة تحاول أمها تطهير وتعقيم مكان الجروح تتعامل مع ما تفعله بكل برود عكس أخيها الذي يصيح لو لامس جرحه بعض الكحول من المسحات الطبية التي تستخدمها أمه لهذا الغرض…
وفي كل مرة يصيح تنعته أمه بصفات تصب على ألمه غيظا يجعله يزداد صراخا،
وكثيرا ما كانت الأم تقارنه بأخته البطلة التي لا تصرخ ولا تضخم الأمور مثله،
وتنتهي هذه المواقف اليومية بدموع كثيرة يذرفها الولد وبابتسامات ترسمها البنت على وجهها،
إضافة إلى كم كبير من المقارنات بينهما تكون في كل مرة لصالح البنت البطلة كما
تسميها أمها.
بقي الحال هكذا إلى أن سقطت البنت من على سريرها الذي يقع فوق سرير أخيها لتجدها أمها صباح يوم من الأيام وهي نائمة على الأرض بعد سقوطها ورجلها منتفخة جدا،
وحين كانت الأم تضغط على الرجل المنتفخة لم تكن البنت تحرك ساكنا أو تصدر أنَّةً أو أية إشارة على أنها تشعر بألم، بل استمرت في نومها وكأن شيئا لم يحدث…
سارعت الأم بالذهاب للمستشفى وكانت هناك المفاجأة والطامة الكبرى لا لأن الأم عرفت أن رجل البنت مكسورة كسرا مضاعفا..
وإنما لأن الطبيب أكد لها أن ابنتها لا تملك أعصابا للألم..
وحالتها نادرة الوجود بين البشر.
يبدو إذن أن أعصاب الألم مهمة جدا مع أن ما تنقله يكرهه كل الناس..
وكأن أعصاب الألم تجسد قوله عز وجل:
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ﴿البقرة: ٢١٦﴾
ولأن هذا الكون مخلوق بطريقة دقيقة للغاية ولكل شيء فيه حكمة قد نعرفها أحيانا وقد نجهلها كثيرا..
لذا أنجح الناس وأكثرهم طمأنينة هو الذي يطرح هذا السؤال على نفسه وعلى غيره بعد كل لحظة ألم جسدي، أو نفسي..
أو بعد مروره بأي مشكلة أو معضله أو أزمة…
وكذلك بعد كل نتيجة لم يكن يتوقعها :
أين الحكمة؟
فالألم جرس إنذار لشيء أخطر وأكبر..
وهو صديق وليس عدوا بشرط أن نسأل أنفسنا دائما:
ما الحكمة مما حدث؟
والألم أحيانا فرصة لمراجعة ما حدث، علَّ المتألم يضع يده على دوره فيما حدث…
فهذا جبريل ينزل على سيد الخلق نبينا محمد ﷺ ولا تزال جراحه تنزف نتيجة معركة أحد حيث كُسرت رباعيته، وشُج رأسه الشريف، واستشهد كثير من صحابته، وترملت كثير من النساء وزاد عدد الأيتام، هل تدرون لِمَ نَزَلْ؟
نزل ليقول لهم جميعا:( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )﴿آل عمران: ١٦٥﴾
هذه الآية تقول لأفضل مجموعة بشرية عَمَرَتْ الأرض، خاطبها الخالق تباركت أسماؤه بهذا الخطاب منبها لها، وقائلا: إن كنتم اعتبرتم هذه الهزيمة مصيبة كبيرة، فانتبهوا لقد ارتكبتم سلوكا يمثل مصيبة مضاعفة، حين لم تلتزموا بما قاله لكم نبيكم، وغرَّتكم الغنائم، فتركتم مواقعكم، واندفعتم لنيل نصيبكم من غنائم الدنيا، ونسيتم سنتي وقانوني:(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة..)
الفتن مواقف تشبه الزلازل، وحين تشتد تشبه التسونامي الذي يدمر ما يظهر في طريقه… فتجتمع حركة الزلزال مع ظهور أمواج عاتية قوية تدمر ما يعترضها..
وزلازل الحياة قد تكون أحيانا تسونامي، لكنها قد تبقى في أحيان أخرى زلزالا شديدا، أو متوسطا، أو ضعيفا، أو ضعيفا جدا للحد الذي لا يحس به إلا جهاز قياس الزلازل..
فكأن أحدى حكم تسونامي (يوم أحد) الذي زلزل النفوس كانت تأسيس الفكر الناقد للذات، (فكر المراجعة)، بدل فكر توجيه الاتهام للظروف، أو للآخر، أو للحظ، أو لأي أمر آخر..
ألا ترون معي أن طرح سؤال: ما الحكمة؟ على أنفسنا بعد كل مشكلة نقع بها، أو هزة أرضية، أو نفسية، أو اجتماعية… أمر مطلوب كي نراجع أنفسنا ونضع أيدينا على ما فعلناه، أو ما اقترفته أيدينا، أو لنحمد الله على أن ما أصابنا، كانت كل الظروف تشير أننا ربما كنا عرضة ليصيبنا ما هو أشد منه، وأدهى وأمر منه؟؟؟؟
ما الحكمة؟
سؤال يخفف الألم، ويعيد ضبط بوصلة الحياة، إنه يذكرنا بأن هذا الكون محكم الخلق، وبه قوانين تحكمه وتضبطه، وأن هذه الحياة تدار بحكمة بالغة من الخالق، وأن علينا أن نتأكد أنه عز وجل يعلم استطاعة، ووسع كل منا، وأنه لا يكلف أيا من خلقه إلا ما كان بوسعه أن يتحمله، لأنه هو القائل:
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).(البقرة، 286)
وبالتالي وبناء على هذه القاعدة الربانية، علينا أن ندرك أنه حين نقع في المشكلات فهي في حدود استطاعتنا، وبالتالي فنحن نستطيع تحملها، لذا نحتاج أن نري الله منا ما ظنه بنا، وبالتالي نحتاج بعدها لطرح السؤال المفيد جدا، وهو : ما الحل؟
إن طرح سؤال ما الحل، بعد السؤال الأول: ما الحكمة؟ هو الأكثر فائدة، وهو المخرج.
نشرت في جريدة عكاظ في العدد 14755 في 30 ذو الحجة 1427 الموافق 19 يناير 2007