حين ولدت زوجته مولوده الأول تمنى قبل أن تلد أن يكون ذكرا، ولكنه قبل بتلك البنت على مضض ومنَّى نفسه أن يكون مولوده الثاني ذكرا، ولكن سرعان ما مضت الأيام وإذا بمشهد الأمس يتكرر اليوم فهو بانتظار أن يأتي أحد ويخبره مبشرا بأن زوجته قد جاءت بولد ذكر، وكان خبر المولودة الأنثى قد جعل وجهه يسود وهو كظيم ، وسرعان ما تحولت الأماني بمولود ذكر إلى الفاظ قاسية ونابية أحيانا تخرج من فمه لزوجته وصار أهله يشاركونه ذلك اللقب الذي تألمت زوجته من كثرة سماعها له: (أم البنات) وكثيرا ما كان يجول بخاطرها حوار متعدد الأسئلة:هل أنا من أتى بهذه البنت وبأختها؟هل أنا المسئولة عن تشكيلها وتكوينها؟هل يحق له أن يتهمني هو وأهله بأني أم البنات وكأني المسئولة الوحيدة عنهن وعن تحديد ما في بطني ذكرا كان أم أنثى؟وفي كل مرة تنتهي من حوارها مع نفسها تجد نفسها بريئة من هذه التهمة، فهي ليست المسئولة عن تحديد جنس الجنين وإنما (الزوج) هو المسئول.بدأت تشعر أن مجيء البنت الثانية كأنه صب الزيت على النار، وزادت الأمور سوءا بينها وبين زوجها، وبينها وبين أهله، وبدأت التلميحات تتحول إلى تصريحات ومفادها إن جئت ببنت ثالثة سأتزوج.تواترت الخلافات وزادت حدتها، وحملت وكانت الطامة تلك البنت الثالثة التي سبقت ولادتها تهديدات جديدة من الأب بأنه سيضعها عند حاوية القمامة إن كانت بنتا.وفعلا بر بوعده وحملها في ليلة ظلماء خارج المنزل، بعد أن خرجت القابلة، أو ما كانت تسمى (الداية) ووضعها عند حاوية القمامة وأمها لا تزال لا تقوى على الحركة وعاد وشرر الغضب يتطاير من عينيه.عاد ليبحث عن مكان هادئ في منزله يؤيه، وغفت عينه وبقيت عيون الأم مفتحة وقلبها يكاد يخرج من مكانه كلما سمعت عواء الكلاب الذي يصاحبه بكاء طفلتها الملقاة بجوار الحاوية، تماسكت وتحاملت على نفسها وخرجت من دارها بعد أن اطمأنت أنه قد نام، وهرولت إليها والتقطتها لتضمها إلى صدرها وأغرقتها بدموعها وعادت بها إلى فراشها.في اليوم التالي سمعت ما كانت تتوقعه منه: اسمعي يا بنت الناس أنا أريد ولدا وأنت لم تستطيعي أن تأتيني به انتبهي لقد حذرتك مرارا دون جدوى أنا سأتزوج.وفعلا تزوج بعد فترة ليست ببعيدة متأملا أن تكون الزوجة الجديدة أم الأولاد بدل تلك التي لم تستطع أن تأتيه بهم، وصارت مصدرا للبنات ونسي أن الله جلت قدرته هو من يهب الإناث والذكور لمن يشاء وله في كل هذا حكمة.(لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ). ﴿الشورى: ٤٩﴾وبعد أشهر قليلة حملت زوجته الجديدة وجاءه الولد الذكر الذي طالما حلم به وتمناه، وبعد أشهر قليلة توفيت ابنته الكبرى.ثم حملت الزوجة الجديدة مرة ثانية وولدت أيضا ما كان يتمناه وجاءه الولد الثاني وتوفيت ابنته الوسطى بعد ولادة أخيها بفترة بسيطة أيضا.ثم حملت مرة ثالثة وولدت ما أكمل عدد الأولاد إلى ثلاثة وبقيت فقط من زوجته الأولى تلك البنت (بنت الحاوية).كبر الأولاد الثلاثة وصاروا شبابا وكبرت بنت الحاوية، وتزوجت، وكانت تزوره في بيت أم الأولاد، وكانت مع زوجها تلاحظ بؤسه وقذارة ملابسة، وكلما اقتربت منه لتقبل يده أو رأسه تشم رائحة عرقه.وفي أحد الأيام وهي عائدة لدارها بصحبة زوجها وأولادها، قال زوجها: ألا ترين حال والدك؟ ما رأيك لو جئنا به لدارنا؟قالت: وما ذنبك أن تتحمل مصاريفه؟فأجابها: الأمور يا عزيزتي لا ترى من هذه الزاوية، فهذا والدك، وهو بمكانة والدي، ورعايته بها أجر، لاسيما أن أولاده يُظهرون له عدم التقدير، بل والعقوق حتى بوجودنا، فما بالك حين يكون وحيدا معهم، كما أن نفور زوجته منه لا يقل عن نفور أبنائه منه.وحين أحضرته ابنته لدارها اعتنت به عناية فائقة، وصار لها ولزوجها وأبنائها سلوى وأنسا، يهرعون أطفالها إليه كلما عادوا من مدرستهم وبدوره يستقبلهم بسعادة غامرة، ولم يعد أبناؤه الذكور يسألون عنه..دخلت ابنته عليه يوما وبين يديها صينية عليها ما لذ وطاب من الطعام والشراب، وحين اقتربت منه، وجدته يبكي، ولما سألته عن سبب بكائه قال لها: تذكرت أمك!!وتكرر المشهد مرات عديدة، فأخبرت زوجها وطلب منها سؤاله عن سر بكائه؟فقال لها أبوها: كلما دخلت علي بصينية الطعام أو الشراب، تذكرت أنني حملتك بيدي هاتين ووضعتك عند حاوية القمامة، وبالمقابل أنت من يحمل لي أطيب ما عندك من الطعام والشراب، وفي كل مرة أتذكر ذلك أكره نفسي فأبكي فسامحيني يا ابنتي..ما أجمل ما تفعلينه، وما أقذر ما فعلته..ادعي الله لي يا ابنتي أن يغفر لي خطيئتي..وادعي الله أن تسامحني أمك..كبر هذا الأب وازداد ضعفه، وبقي في رعاية ابنته، وبالمقابل عقه أولاده وتركوه عندها، ولكن ليس عند حاوية القمامة، بل رموه عند من رماها حين كان عمرها لا يزيد عن ساعة،….وحملته تلك الأيدي الضعيفة لبنت الحاوية وأتت به إلى دارها ترعاه بعد أن تخلت عنه أيدي من ظن يوما أنهم سيرعونه….آوته من نبذها يوما…ونبذه من كان يظن أنهم سيبرونه حين يكبر، لكنهم أذاقوه كل صنوف الإهمال والعقوق التي عرفها الناس وتلك التي لم يعرفوها. تخلت عن هذا الرجل زوجته الثانية وأولادها، ولم يبق له إلا هذه الفتاة التي حملتها يداه يوما لتضعها بجوار حاوية القمامة والتي أنقذتها يدي أمها رحمها الله من بين أنياب الكلاب الجائعة.تركوه عندها ولم يعودوا يزورونه..ولا يرأفون بحاله…عقه من سعى جاهدا ليراهم …. وبرته من رماها كارها لها فقط لأنها بنت…بقي أن أقول أن بعض أبطال هذه القصة لا يزالون أحياء يرزقون ……؟؟؟
نشرت في جريدة عكاظ في العدد 14671 في 5 شوال 1427 الموافق 27 أكتوبر 2006