من المستفيد من العبادات

المتتبع لهذا الكون يجد أن هناك خيطا يربط مكوناته جميعا، وكل المخلوقات سواء كانت حية أم جامدة تخضع لقوانين صارمة عرفنا القليل منها ولا نزال نجهل الكثير.

وحين ندقق النظر أكثر نجد أن الزوجية تمثل قانونا عاما يحكم موجودات هذا الكون، فالليل يقابله النهار، والنور يقابله الظلام والحر يقابله البرد واليقظة يقابلها النوم.

وبين كل قطبين أو ثنائية درجات بينية عديدة، وإذا تناولنا سلوك البشر نجد أن الفرح يقابله الحزن والهدوء يقابله الغضب والطمأنينة يقابلها الخوف والتسامح يقابله الضغينة والكراهية.

ولا نحتاج لكثير من الجهد حتى نضع أيدينا على نقطة مهمة ألا وهي:” أن تكون نفوسنا مطمئنة هادئة فرحة سعيدة”، مع أن هذه الصفات عزيزة على المنال في بعض الظروف والأحيان إلا أنها ليست مستحيلة.

وكأني أرى في منظومة العبادات صمامات أمان للفرد منا حتى يعاود استعادة ما يمكن أن يفقده من طمأنينة وفرح وسعادة بسبب ضغوط الحياة ومشاكلها، إلا أننا نجد أنفسنا مع منظومة العبادات في إشكالية: “بين ما ينبغي أن نفعله وما نفعله فعلا”، وهذه الإشكالية تحتاج إلى توضيح أحيانا وتصحيح أحيانا أخرى.

وكثيرا ما أسمع من أمي المثل القائل ” إلِّي ما يزعل إن جالو الزعل حيوان وإلي ما يرضى إن جالوا الرضى شيطان ” وإذا ترجمت هذا المثل العامي للعربية لقلت إن من تواجهه مسببات الغضب ولا يغضب هو شخص لا يفهم ومن غضب وجاءته مسببات الرضا والتسامح فهو شيطان “.

ولكن وعودة إلى منظومة العبادات يتطلب الأمر منا الوقوف عندها فهي منظومة لو مارسناها جميعا وكنا كما يقول المصطفى ﷺ على قلب أتقى رجل فينا “لما زاد في ملك الله شيء ولو كنا على قلب أفجر رجل منا لما نقص ذلك من ملك الله في شيء”.

إذا من المستفيد من العبادات؟

نحن بلا شك المستفيدون، فهذه الصلاة فرصة للوقوف بين يدي الرحمن خمس مرات كل يوم نبث له شجوننا وشكوانا ونطلب منه العون ونستغفره عما اقترفته أيدينا وأعيننا وجوارحنا من زلل وخطأ، وهذه الجمعة صلاة يجتمع فيها الناس ليتعلموا مما يسمعون وليوطدوا أواصر علاقاتهم ويطمئنوا على بعضهم البعض وفي الوقت ذاته جعلها الله فرصة لغفران ما بينها وبين الجمعة التي سبقتها.

وهذا رمضان الذي نعيشه مرة كل سنة جعله الباري عز وجل فرصة لكفارة زلات السنة وأخطائها فهو لمن صامه إيمانا واحتسابا فرصة لمغفرة ما تقدم من ذنبه.

رمضان إذا فرصة ذهبية لمن يريد أن تمسح ذنوبه وزلاته وخطاياه.

إلا أن أعظم ما يمكن أن يفعله المسلم في رمضان هو التوقف عن شحن نفسه بالكراهية لمن أساء إليه، فنحن تماما مثل بطارية الأجهزة الكهربائية القابلة للشحن إما أن نزيد من غلواء كراهيتنا لبعضنا أو نوظف رمضان لتفريغ ما في نفوسنا من كراهية، والوسيلة الوحيدة لذلك أن نقف قليلا عند من أساء لنا من إخواننا المسلمين، هل الأفضل أن أدعو عليه في هذا الشهر أم أدعو له.

وما الفرق بين أن أدعو له وبين أن أدعو عليه؟

لاشك أن الفرق كبير وشاسع فإن دعوت عليه شحنت نفسي بكراهيته ، علما بأن هذه الكراهية نار تحرقني وربما لا يشعر هو بها، ومن يشحن نار الكراهية في نفسه عليه أن يتأكد أنه سيكون متوترا وربما طالت نار الكراهية بعد نفسه أقرب الناس إليه، وربما كانوا من محبيه، فمن يعش تحت وطأة الكراهية التي تملأ نفسه سيجد أنه متوتر معظم الوقت وهو أشبه ما يكون بالوتر المشدود لا يحتاج لأكثر من لمسة بسيطة حتى يصدر ضجيجا فهو لا يحتمل كلمة من أقرب الناس إليه أحيانا أو من زميل عمل أو ربما من شخص غريب في شارع فسرعان ما يغضب ويشتم وربما يضرب ، وإنه لمنظر مؤلم حين نرى في الشارع شخصين صائمين يتشاجران على توافه الأمور وكأنهما لم يسمعا ما قاله عليه السلام: عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (الصِّيامُ جُنَّة، فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ. وإِنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فلْيَقُلْ: إِني صائمٌ ) ( صحيح البخاري ، ج 4 صفحة 564 حديث رقم  1873 ).

إنها فرصة ثمينة ليس فقط لكسب منزلة العافين عن الناس والمصلحين والمحسنين فقط في الآخرة، وإنما لجعل التسامح وسيلة لتفريغ شحنات الكراهية التي تؤذي صاحبها كما تؤذي أعز الناس إليه بسبب انفعاله وتوتره. هل صعب علينا أن نوظف زائرا خفيف الظل يحمل في كل ثانية من ثوانيه التي يمضيها معنا ليكون أداة نافعة لتفريغ هذه الشحنات القاتلة ولنجعل التسامح شعارا لنا حتى مع من أساء إلينا بخاصة أننا لسنا على يقين أننا سنبقى لعام آخر لنعيش مع رمضان شهر التسامح والخير والإحسان أم لا.