سمعها أبوها وهي تقول لأخيها الذي يصغرها بأربع سنوات عيب لا تبصق على الأرض سألها أبوها وهي بنت السنوات الست: هل تعرفين الفرق بين العيب والحرام؟أجابت: نعم، (العيب هو الذي إن فعلناه يزعل الناس، والحرام هو الذي إن فعلناه زعل ربنا).بهذه البساطة فرقت هذه الطفلة بين العيب والحرام، وكأنها تريد أن تقول أن كلاهما محرم ولكن العيب مصدر تحريمه الناس وليس شرطا كل الناس، والحرام مصدر تحريمه الأوامر الربانية الواردة في قرآن أو حديث.ولكن إلى أي مدى يتقاطع العيب والحرام في حياتنا اليومية؟بمعنى هل كل عيب حرام؟ وهل كل حرام عيب؟والجواب على كلا السؤالين: لا، لأن كثيرا من العيب مباحا من منظور شرعي، وبالمقابل بعض من الحرام لدى بعض الناس صار مباحا.
فكثيرون يعرفون أن الاعتذار ممن يطرق بابك وأنت غير مهيأ لاستقباله مباح ومشروع امتثالا لقوله تبارك وتعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٢٧﴾ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٢٨﴾.﴿النور﴾ بل وكما تقول الآية هو أقرب للتقوى، ولكن السلوك نفسه في نظر الكثيرين يعتبر عيبا وخال من الكياسة والتهذيب، فمن غير المقبول وعيب أن لا تسمح لمن يطرق بابك بالدخول إلى بيتك حتى لو كنت غير مهيأ لاستقباله وحتى لو كان على حساب وقتك ومهامك وأعمالك، فعيب أن تعتذر منه، فهذا في عرف الناس يشير لنمط من السلوك تتباين فيه قواعد الحرام والعيب ولا تجمعهما أرض مشتركة.وعيب عليك إذا جاءك أحد أقاربك ولم تنفق على وليمة غدائه أو عشائه، مبلغا كبيرا إكراما له حتى لو اقترضت هذا المال، فعيب ألا يكون إكرامه بهذه الوسيلة في حين أن بضع عشرات من الريالات يمكن أن تكون كافية لإطعامه وربما رميت ما يتبقى من الطعام الذي أنفق عليه مبلغا كبيرا في حاوية القمامة مع أن رمي النعم حرام ولكن العيب هنا صار أقوى من الحرام.
وبالمقابل كثيرون هم الذين يرون أنه عيب على من يُقرض المال لغيره أن يكتب ورقة تثبت هذا الدين مع أن عدم كتابة الورقة مخالفة صريحة لنص قرآني يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). ﴿البقرة: ٢٨٢﴾ فكتابة الدين صارت عيبا مع أن عدم كتابته حرام أساسا، وهنا صار الحلال عيبا والحرام مباحا. هذه الأمثلة وسواها تشير إلى أن معايير العيب والحرام لم تعد تتقاطع في مساحات كبيرة من حياتنا، وربما صار لزاما علينا جميعا أن نعيد النظر في هذه القواعد فيبدو أننا بحاجة لإعادة تعليم أبنائنا قواعد الحرام والعيب من جديد بشرط أن تكون المساحات المشتركة كبيرة فهنيئا لمن كان الحرام عنده عيب وويل لمن كان الحرام عنده مباحا.
نشرت في جريدة عكاظ في العدد 14727 في 2 ذو الحجة 1427 الموافق 22 ديسمبر 2006