أنا شاب عمري 18 سنة أعاني من قسوة أهلي، فهم يصفوني بالغبي والحمار والحيوان طوال الوقت، لدرجة أني نسيت إسمي في البيت، ولا أعرفه إلا في المدرسة فقط ووصلت لدرجة لا أستطيع أن أفعل شيء لأني أعتقد أني غبي .
المعذب والحزين : ع . ع
بعض الرسائل تجعلني أقف عندها طويلا، لأنها تتكرر كثيرا، وبصور شتى، وهذه الرسالة واحدة منها، ولا شك أن أسلوب تعامل الأهل مع هذا الشاب هي السبب الجوهري لما وصل إليه من فقدانه الثقة بنفسه، فقد وصل إلى مرحلة لا يستطيع أن يقوم بعمل دون أن يشعر بأنه سيفشل فيه.
وقبل الحديث عن الحل لابد لي من وقفة مطولة مع هذا النوع من التعامل الوالدي مع الأبناء من منطلق حرصي على جيل الصغار الذي يتعامل معهم والديهم بمثل هذا الأساليب، من ناحية، ولأن هذه الأساليب الوالدية لا تعين إطلاقا على جعل هؤلاء الأبناء أو البنات أسوياء، بل ربما كثيرون منهم تتحول شخصياتهم إلى شخصيات غير سوية، وعدم السواء هذا يسمم حياة الفرد نفسه، ويسمم حياة من يتعاملون معهم من ناحية ثانية.
والمؤلم أن هؤلاء حين يشعرون بمشكلتهم كما هو حال الشاب صاحب الرسالة، قد يبحثون عمن يساعدهم من المختصين، وربما وهذا هو النادر أو القليل، أما الأغلبية منهم فإنهم يحملون ما بداخلهم ويكملون مشوار الحياة، مع ما يترتب على هذا الحمل من أذى يلحق بهم وبمن يتعاملون معهم، وهم في الغالب لا ذنب لهم، وإنما الذنب على من يربيهم ابتداء بوالديهم، ومرورا بمعلميهم، وجيرانهم ومن يتعاملون معهم، وبالتالي فالصور المنتشرة لهم، تتراوح بين الانطواء والانعزال عن الناس، وبين الحقد على الآخرين، وقد تصل لحد العداء للمجتمع والحقد على مكوناته، وسيساهمون بشكل فعال في تزويد المجتمع بشخصيات تتألم وتسبب الألم لغيرها دون أن تقصد ذلك.
وما أود التأكيد عليه لكل أب وأم وكل راشد يتعامل مع الطفل ويلجأ لمثل هذه الأساليب في التخاطب والتعامل معه أن يتأكد من تأثير كل كلمة تخرج من فمه لا يلقي لها بالا أنها سوف تساهم فيما نسميه صورة الطفل عن نفسه أو ما يسمى بلغة الاصطلاح العلمي مفهوم الذات عنده فصورة الطفل ومفهومه عن ذاته ونفسه لها ثلاثة أوجه:
- ذاته كما يراها الآخرون.
- ذاته كما هي عليه بالفعل.
- ذاته كما يراها هو.
ونبدأ بذاته كما يراها الآخرون ، فإذا أكثر الآخرون من تصويره بصورة سلبية فإنه سوف يبدا بتكوين صورته وفقا لما يرونه هم عليها وبالتالي إما أن تكون هذه الصورة متفقة ومنطبقة على ذاته بالفعل أو مغايرة لها بدرجة ما.
فإذا رآه الآخرون باعتباره غبيا، أو شيطانا، أو قليل أدب، أو لن يفلح لقلة حيلته، وضعف إمكاناته، وكانت عنده بالفعل بعضا من هذه الصفات فسيرى نفسه كذلك، وسيبقى طوال عمره وهو ينظر لنفسه باعتباره قاصرا أو غير جيد أو ضعيف الثقة بنفسه.
وإن كانت إمكاناته الحقيقية أكبر من ذلك وأفضل فمهما حاول الوصول إليها فإن الألفاظ التي نُعت بها، ووصف بها سوف تخفض هذه الصورة عن حقيقته، وسيعاني أيضا من ضعف بالثقة بالنفس واهتزاز صورته أمام نفسه، وبالتالي أمام الناس، فقد يُحجم عن مقابلة الناس حين يكبر لأنه لا يرى في نفسه القدرة على المواجهة، وقد يحجم عن التحدث أمام الناس لأنه كان ينعت بأن لسانه غير فصيح، أو لا يعرف التحدث، أو أنه متلعثم أو أن الناس لا تفهم ما يقول وهكذا ترسخ في نفسه هذه الصورة القبيحة أو الناقصة أو الضعيفة.
إننا كما قال النبي الكريم نقول كلمة لا نلقي لها بالا تلقي بصاحبها في نار جهنم سبعين خريفا، وحين استهجن معاذ بن جبل وسأل النبي عليه السلام : قلتُ يا رسولَ اللهِ أنؤاخذُ بكلِّ ما نتكلمُ به فقالَ ثَكِلتْك أمُّك يا معاذُ بنَ جبلٍ وهل يكُبُّ الناسَ على مناخرِهم في جهنمَ إلا حصائدُ ألسنتِهم.) الألباني، السلسلة الصحيحة (٧/٨٤٥
رجاء حار لكل أب وأم أن يبدأ من هذه اللحظة بتغيير لغة الخطاب مع أبنائه من اللغة السالبة المتهكمة المحتقرة إلى لغة إيجابية تركز على خير ما وهبه الله للولد أو للبنت ولا ننسى نحن معشر الكبار أن الله قد خلق الجميع في أحسن تقويم وأننا من نصنع هذه الصفات في نفوس أبنائنا سواء منها الإيجابي أو السلبي وصدقوني لا يحتاج أبناؤنا منا لأكثر من بث الثقة بالنفس والتحدث إليهم باعتبارهم مخلوقات تستحق الاحترام لا الاحتقار.
وبهذه المناسبة، زارني شاب جامعي بلغ من العمر 27 عاما، وقد مضى عليه 9 سنوات ولم يتخرج بعد، وكان منطويا، ويجد صعوبة في التحدث عن مشكلته، وعانى في دراسته من الوقوف أمام زملائه لتقديم أي عرض علمي عليهم، وحين بدأ يتحدث وبصعوبة عن مشكلته، كانت أول جملة يقولها لي: ” دكتور أنا عمري 27 عاما، لا أذكر أن أبي ناداني مرة بإسمي، قلت: بم إذن يناديك؟ قال: بكل أسماء الحيوانات، وبخاصة إن كنت في مجلس به رجال كبار من العائلة!!!!!!
أنا أعرف أن هذا الموضوع يستحق الوقوف عنده وقفات أطول ولكني آمل أن تتاح الفرصة مستقبلا، لإلقاء المزيد من الضوء عليه.
أما بالنسبة لك أخي السائل فالأمر يستحق منك أن تواجهه، وأن تكون على يقين أنك قادر على تجاوز هذه الأزمة، فلن تكون أول الذين يتجاوزونها إذ سبقك الكثيرون الذين ساهم والديهم بتشويه جمال شخصياتهم دون قصد، فكن على يقين أن كل أب وأم يتمنون أن يكون أبناءهم خيرا منهم، ولكن هذا مبلغهم من العلم فإن أزعجتك تصرفاتهم فلك الحق ولكن تذكر أنهم فعلوا ما فعلوه بحسن نية ولكن بجهل، وصحيح أنك دفعت ولا تزال تدفع الثمن إلا أنني أؤكد لك أنك قادر على تجاوز هذه الأزمة وكل ما تحتاجه أن تراجع استشاريا نفسيا لتجلس معه عدة جلسات وسيساعدك على تخطي المشكلة وستكون بإذن الله أقوى بكثير مما تتصور، وحتى يتسنى لك زيارة هذا الاستشاري أنصحك بالآتي:
- في المكتبات العديد من الكتب التي تتناول طرق تقوية الثقة بالنفس ابدأ بقراءتها ونفذ ما بها.
- اعقد اتفاقا مع أخ محب لك أو صديق تثق به ودعه يساعدك من خلال تعزيز كل فعل إيجابي تفعله.
- دون مع نهاية كل يوم في دفتر خاص إنجازاتك ولا تنظر إليها إلا مع نهاية كل أسبوع.
- كافئ نفسك على كل عمل إيجابي بصوت مسموع كأن تقول أحسنت يافلان، واجعل المخاطب نفسك.
- قف أمام مرآتك واغلق باب غرفتك وانظر لنفسك وقل لها أنا أثق بك، أنا أحبك.
افعل ما قلته لك وثق تماما بأنك سوف تخرج من هذه المشكلة وأنت قوي وواثق بنفسك.
نشرت في جريدة عكاظ في العدد 14650 بتاريخ: 14 رمضان1427 الموافق: 6 أكتوبر2006