هذه المقالة كانت رداً على السؤال التالي الذي وردني من شابة تقول:
(دكتور ميسرة أنا شابة في سن الزواج وكلما تقدم لي شاب أوجد أهلي به العلل لرفضه، وتقدم لي أخيرا شاب يشهد الجميع بخلقه وأمانته ودينه، وهو يريدني بإلحاح فمنذ أن رآني تعلق قلبه بي وكذلك أنا تعلقت به ولا أريد عنه بديلا، وحين بدأ يبحث الأمور التفصيلية مع أهلي اصطدم بطلباتهم الكثيرة وبخاصة المهر الكبير الذي طلبه أهلي منه، واقترح أحد أخواله أن يقوم بتقسيط المهر لي على أقساط فوافق أبي على ذلك، ولكنه اشترط عودتي لبيت أبي في حال قصر زوجي في السداد، فما رأيكم هل هذا الحل سليم وصحيح، علما بأنني سمعت من بعض الناس أن هناك أسرا تأخذ بهذا المبدأ، وأنا خائفة من نتائجه السلبية، وينتابني شعور بأنني بهذه الطريقة صرت شيئا من الأشياء كالسيارة والغسالة والثلاجة فبماذا تنصحني؟)
ما ينبغي أن نؤكد عليه أن عدم الاحتياج المالي عند الزوجين واحد من الشروط الضرورية، وإن كانت غير كافية لنجاح الزواج؛ ونقصد بعدم الاحتياج المالي أن يكون الزوجان فوق خط الفقر، بمعنى أن تكون موارد الزوجين المالية كافية لسد حاجاتهم الأساسية من الناحية المالية، وأن لا يكونوا بحاجة للاقتراض من أحد في الحالات العادية.
أما إذا كانت الأسرة بصفة دائمة أو شبه دائمة مدينة لجهات أخرى بحيث لا يمكن لمواردها أن تسد حاجاتها، فمعنى ذلك أن الأسرة في ضائقة مما يعني أن مصدرا للضغط النفسي سيلازمها، ويدوم مادامت الحاجة المالية قائمة.
ولعلنا مضطرون لتناول المهر باعتباره واحدا من عناصر الجانب الاقتصادي.
وهو من الأمور التي تحتاج لوقفة تأمل، فكلمة مهر لم ترد بهذا اللفظ في القرآن ولا حتى لمرة واحدة والذي ورد هو لفظ الصداق وهو بمعنى المهر، ونقلا عن هشيم ، عن سيار ، عن أبي صالح قال : كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها ، فنهاهم الله عن ذلك ، ونزل : قوله تعالى:
(وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا )
﴿النساء: ٤﴾
وقد يتساءل البعض معي لماذا ورد اللفظ بهذه الصورة ولم يرد في لفظ مهورهن؟
وربما يكون السبب ـ والله أعلم ـ أن لفظ صدقاتهن يحمل الصدق بمعنى أن من يعزم الزواج من امرأة ما ينبغي أن يكون في هذا العزم ما يؤكد صدق نيته وعليه فإن الدليل العملي على هذا الصدق يكون بدفعه مبلغا من المال يرتضيه الطرفان يؤكد من ناحية صدق عزم الزوج على الزواج، وهو من ناحية ثانية يعين الزوجة على تجهيز نفسها لشراء ما يلزمها من احتياجات.
وفي عهده عليه السلام ونظرا للظروف الاقتصادية التي كان يعيشها مجتمع الصحابة حيث الفقر هو الشكل السائد بين الناس، وحيث كانت الأولوية لتكوين الأسرة المسلمة وإشباع الحاجات العضوية والنفسية، وحيث أن المجتمع كان يتمتع بقدر هائل من الأمانة والالتزام بشرع الله عز وجل فقد كان ينظر للمهر باعتباره رمزا يؤكد من خلاله الشاب صدق عزمه على الزواج ، لذا فقد زَوَّجَ الرسول عليه السلام بعض الناس بخاتم من حديد، وزوج آخرون ببضع آيات من القرآن الكريم، ووضع عليه السلام قاعدة أساسية يحض فيها أولياء أمور النساء على تسهيل عملية الزواج: عَنْ أبي حَاتِمٍ المُزَنِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ الله: (إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوُهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وَفَسَادٌ كبيرٌ). )الألباني، صحيح الترمذي، الحديث رقم ١٠٨٥ (
وفي المقابل كان هناك حض للشباب على الزواج بقوله لهم:(عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ الله بِمِنىً، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمٰن أَلا نُزُوِّجُكَ جَارِيَةٌ شَابَّةً، لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَىٰ مِنْ زَمَانِكَ. قَالَ فَقَالَ عَبْدُ الله: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ الله: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءٌ). (صحيح مسلم، ج9 صفحة 146، الحديث رقم 3352)
ووجههم أيضا إلى ما ينبغي أن يأخذوه في اعتبارهم عند البحث عن الزوجة حينما قال:(عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُنكَحُ المرأة لأَربعٍ: لمالها، وَلِحَسَبِها، وَجَمالِها، ولدِينها، فاظفَر بذاتِ الدِّينِ ترِبَتْ يَداك). (صحيح مسلم، الجزء 10، صفحة 164، حديث رقم 4970).
ولقد صار مهر المرأة حقا لها منذ أن نزل الأمر السماوي المشار إليه في سورة النساء في قوله عز وجل:
{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} ﴿النساء: ٤﴾
وليس لأحد الحق في أن يأخذه منها.
والمسلمون عبر تاريخهم مروا بظروف الرخاء وكذلك بظروف الشدة، وكما يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله: ( يجد الناس من الحلول بقدر ما يستجد لهم من مشكلات ). وحين مرت على المسلمين ظروف الشدة اضطروا لابتكار ما يسمى بمؤخر الصداق.
فما هو مؤخر الصداق؟
مؤخر الصداق هو ذلك الجزء من المهر الذي يترك دينا في ذمة الزوج غير القادر على دفع المهر دفعة واحدة، والناس لجأت إلى تأجيل هذا المبلغ تيسيرا من أهل الخير للشباب وتشجيعا لهم على الزواج بحيث لا يبقى المال عائقا أمامهم.
واليوم حين يبتكر بعض الناس فكرة تقسيط المهر إنما هو في الحقيقة تسهيل آخر على الزواج.
إلا أن الشرط الذي يقترحه البعض وهو أن يكون من حق ولي الأمر أن يعيد الفتاة إلى داره في حال عدم التزام الزوج بالتسديد في الوقت المحدد ربما رآه البعض حلاً، ولكنه في رأيي حلا يولد مشكلة.
إن كل يوم يمر على الزوجين في بيت الزوجية يفترض أن ينمي الحب بينهما، وبالتالي فإذا أعطي ولي الأمر الحق في أن يستعيد ابنته نتيجة إخلال الزوج وعدم التزامه بالدفع، سيولد مشكلة كبرى بين ولي الأمر وبين الزوج، وربما وقفت الزوجة في صف زوجها إذا كانت معيشتها معه عيشة هنية ولدت ونمت الحب بينهما، وعندها ستمانع بلا شك في العودة إلى بيت أبيها، وإذا كان الأب من النوع الذي يصر على مطالبة الزوج بأداء ما عليه من منطلق حرصه على مصلحة ابنته فسيقع الأب في مشكلة مع ابنته، ومع زوجها، وسنكون بالتالي قد أشعلنا نار الكراهية بين الأطراف بسبب مالي بحت، وبدل أن تكون الزيجات سببا لزيادة أواصر المحبة بين الناس تصبح سببا للمشكلات والبغضاء.
وقد يقول قائل، ولكن لنفترض أن هذه المحبة لم تنمو، بل ولم تتكون أساسا، أليس من حق هذه الزوجة أن تطالب ببقية مهرها؟
من حقها بلا شك، ولكني أقول أليس من الأفضل في هذه الحالة أن نبقي الأمر على ما هو عليه بمعنى أن نبقي المهر على جزأين الجزء الأول مقدم ولا نبالغ به تسهيلا على الشباب، والجزء الثاني مؤجل.
والأصل في هذا الجزء المؤجل أن يكون دينا في ذمة الزوج يدفعه لزوجته في اللحظة التي يصبح قادرا على سداده، وما أعرفه أن من حق الزوجة أن تأخذ هذا المهر المؤجل باعتباره دينا لها في حالة وفاة زوجها مالم تتنازل عنه.
لقد بات الناس في الوقت الحاضر يبالغون في هذا الجزء المؤجل من منطلق حرصهم على وضع كل ما يمكن أن يعيق الطلاق ظنا منهم أن الرجل حين يعرف أنه مضطر لدفع مبلغ كبير من المال إذا طلق زوجته، فإنه سيتريث كثيرا بدل التسرع في اتخاذ قرار الانفصال عنها حين تبرز المشكلات.
قد يكون هذا التصور صحيحا في بعض الحالات ولتأكيد ذلك أقول أنني أعرف شخصيا أناس اضطروا للتراجع عن قرار الطلاق خوفا من دفع المؤجل من المهر باعتبارهم غير قادرين على دفعه.
ولكن بالمقابل أقول أن بعض هؤلاء الناس ممن لا يتمتعون بالقدر الكافي من الخلق القويم، قاموا بأعمال جعلت زوجاتهم يطلبن الطلاق للتخلص من الظلم المقصود الذي تعرضن له على أيدي هؤلاء الأزواج، وهذا الظلم حيلة معروفة يستخدمها أمثال هؤلاء لتفادي دفع أي مبلغ، حيث يجعلون مؤجل المهر هو الثمن الذي يشترطون على الزوجة أن تتنازل عنه لقاء حصولها على الطلاق، وربما كان ذلك نوعا من أنواع الانتقام من الزوجة أو من أهلها في بعض الأحيان.
إذن لم ولن تكن الزيادة والمبالغة في مؤخر المهر حلا نستطيع به أن نبقي على جسد الحياة الزوجية إذا فقدت روحها، أي المحبة والمودة التي يتولد عنهما الرحمة.
وبالتالي لن يكون لتقسيط المهور الفائدة المرجوة في ظل فقدان الشاب للحد الأدنى من أخلاق الزوج المسلم كما يريده الله عز وجل أن يكون عليه.
وهناك أمر آخر لا نستطيع أن نغفل احتمال ظهوره ونستطيع أن نعبر عنه بالسؤال التالي:
ما هو شعور الزوجة التي تجد نفسها مضطرة للعودة إلى بيت أبيها إذا قصر زوجها في دفع الأقساط؟
هل يمكن أن يشعرها هذا الأسلوب بأنها لا تعدو أن تكون قطعة من أثاث شأنها شأن السيارة أو الغسالة أو التلفزيون التي يشتريها المرء بالتقسيط والذي من حق البائع استردادها إذا قصر المشتري في الدفع مع تحميله الغرامة؟
أظن أنه من حقنا جميعا أن ننظر إلى الموضوع من منظور مقاصد الزواج كما يحددها ربنا لنا.
وأعتقد أنه لا يمكن أن يختلف اثنان بأن أهم مقصد من مقاصد الزواج هو تأمين
الإشباع الكافي للحاجات العضوية والنفسية لطرفي الزواج، وهما الزوج والزوجة من ناحية، وتأمين جو سليم لحسن تربية نتاج هذا الزواج وهم الأبناء.
ولكن أي رحمة هذه التي يمكن أن تتكون في ظل المحافظة على تقاليد، تحتاج لوضعها في ميزان العقل والشرع؟
من قال أن قيمة المهر ينبغي أن تكون كبيرة في ظل شريعة زوج نبيها أحد الناس بخاتم من حديد، وزوج آخر ببضع آيات من القرآن؟
ومن قال إن شكليات الزواج ينبغي أن تبقى على ما هي عليه من حيث المبالغة في التأثيث، أو المبالغة في حفلات الزواج، والمبالغة في الذهب والمجوهرات المشتراة للعروس؟
لماذا نتوجه بالحلول نحو تقسيط المهر وننسى أن هناك حلولا كثيرة لأس المشكلة وأساسها؟
إن أساس المشكلة أن معظم مناهج التعليم في العالم الإسلامي لا تعنى بالأسرة ولا بشروط تكوينها كما ينبغي ولم ألحظ مقررا واحدا متكاملا عبر مناهج التعليم في العالم الإسلامي يتناول جوانب الأسرة وتكوينها والمحافظة عليها والشروط التي ينبغي أن تتوفر في الزواج الناجح.
وما هو موجود من مناهج يحتاج إلى قدر غير قليل من المراجعة وإعادة النظر.
كما لم ألحظ على الاطلاق من يفكر في إنشاء معاهد تدرب من يريد ان يتزوج على فن الحياة الزوجية إلا في الآونة الأخيرة وهذه المعاهد لا تزال تعد على أصابع اليد الواحدة ناهيكم عما يقدم فيها من موضوعات تحتاج هي الأخرى إلى مراجعة دقيقة.
ألا يحتاج الشاب لمعرفة نفسية المرأة وكيف ينبغي أن يتعامل معها؟
ألا تحتاج الفتاة أن تتلقى دروسا في كيفية تعاملها مع زوجها؟
ألا يحتاج العروسان إلى دروس لتعلم كيفية تعاملهما مع أسرتيهما وذلك لتجنيب أسرتهما الجديدة الخوض في مشكلات لا مصلحة لهما في الدخول بها؟
ألا يحتاج كل منهما لدروس في كيفية تناول اقتصاديات المنزل وتصريف شؤونه؟
ألا يحتاجان لفهم كيفية رعاية طفلهما الأول؟
ألا يحتاجان لدروس ودورات مكثفة في كيفية حل مشكلات الأطفال والمراهقين من أولادهما؟
أين هي العيادات التي تعنى بالصحة النفسية للأسرة في مجتمعاتنا المسلمة؟
إننا ننفق الكثير على الصحة الجسمية لأفراد الأسرة وهذا أمر يُحمد لكل من ساهم ويساهم في رفع شأنه، ولن يجزي من يساهم في علاج الناس ورفع مستواهم الصحي إلا الله عز وجل، ولكن ألم يئن الأوان لنعطي موضوع الوعي النفسي ما يستحقه من أهمية سواء على المستوى الإعلامي أو على المستوى التنفيذي؟
لو أننا فكرنا وفي خطين متوازيين برفع مستوى وعي شبابنا، وبناتنا في أمور الزواج وتكوين الأسرة من ناحية، وبتخفيض المهور من ناحية ثانية أليس ذلك أجدى؟
ليس من حق أحد أن يفرض على الزوجة شكل سعادتها، فهي صاحبة الحق في المطالبة بحقها أو التنازل عنه لمن صار انتماؤها إليه أكبر من انتمائها لأسرتها.
ومن يريد أن يجعل المهر أقساطا فليفعل إن أراد، ولكن ليجعل الهدف هو التيسير وليس توليد مشكلات جديدة، وليترك للزوجة أن تقرر إذا كانت تريد من زوجها أن يدفع باقي الأقساط، أم أنها ستتنازل عن المال لقاء وقوفها إلى جانب زوج صار شقها الثاني؟؟؟؟
نشرت في جريدة عكاظ في العدد 14643 بتاريخ: 7 رمضان1427 الموافق: 29سبتمبر2006