الانتقام من العدو

الرغبة في الانتقام صفة بشرية تمثل طاقة عدوان الإنسان يوجهها نحو من ظلمه، أو مارس عدوانا عليه، أو من أشعره بصغاره أو احتقره أو سلب منه شيئا، وهي فجة عند الأطفال، ولكنها تأخذ صورا واضحة عند الكبار، وتبدو جلية داخل الأسر وبين الأفراد في المجتمع الواحد، كما تتجلى في تاريخ البشرية بين الأمم حين يزداد الظلم، وقد تبدو على هيئة أذى مادياً يُلحقه الشخص بمن يريد أن ينتقم منه، أو على هيئة أذى معنوي، ويأخذ الأذى المادي شكل حرق الممتلكات أو سرقتها، أو تدميرها، أو إلحاق الأذى بالعدو شخصيا، وقد يترافق ذلك الأذى المادي بأذى معنوي يدور حول تشويه السمعة، أو تلطيخها، أو إعاقة مصالح العدو، أو بصورة واحدة من الصور السابقة أو بالعديد منها، وصور الانتقام في تاريخ البشر أكثر شيوعا من صور التسامح، وعلينا أن نتذكر أن للانتقام فلسفة تكمن وراءه وتغذيه مثلما للتسامح أيضا فلسفته ومنطق يكمن وراءه ويُغذيه، إلا أننا بحاجة للوقوف عند بعض قصص التاريخ فالمتتبع لما فعله كفار قريش بنبي الأمة عليه الصلاة والسلام ومن معه من المسلمين الأوائل يؤكد أنه كان أذى من كل الأنواع؛ تشويه سمعة، ونشر للأكاذيب، وضرب وإهانة، وحبس ومقاطعة، وقتل وتهجير، وطرد وتآمر على قتل النبي الكريم، وكانت نتيجة كل ذلك أن وصل المسلمون إلى حد ترك ديارهم والهجرة إلى المدينة، وبمنطق تلك الحقبة من الزمن هم هاجروا إلى موطن آخر غير موطنهم، وكان الحنين لمكة لدى المهاجرين وما دونته أشعارهم وقصصهم خير شاهد على عظم الألم الذي كان يعتلج نفوسهم، ناهيكم عمن قُتل ورُمل ويُتم، وطبيعي وِفْقَ منطق الانتقام أن ينتقموا ممن ظلمهم، وأعمل فيهم القتل، وهجرهم، وطردهم وأساء إليهم، ولكن السؤال المهم هل واقع حالهم في المدينة كان يؤكد أن رغبة الانتقام من عدوهم تمحورت حول إيذاء هذا العدو، أم أنها تمحورت حول تطوير أنفسهم؟ ونظرة متأنية تؤكد أن سلوك الانتقام من عدوهم كان متسقا مع جواب أحد الحكماء حين سئل: بم ينتقم المرء من عدوه؟فأجاب بإصلاح نفسه، نعم تركز جهد المسلمين في المدينة بإصلاح أنفسهم على كل صعيد، إلى أن انتقلوا من مجتمع ضيق الأفق تستعر نار الانتقام بصوره التي ذكرناها في نفوس أفراده، إلى مجتمع يسعى نحو تطوير أفراده، وإصلاح فكرهم وسلوكهم، والدليل على ذلك أن أفراد تلك الأمة التي شغلت نفسها بالإصلاح حين دخلوا مكة يوم الفتح، لم يفكروا بالانتقام من أحد، يومها لجأتْ صناديدُ قريشٍ وعظماؤُها إلى الكعبةِ يعني دخلوا فيها قال فجاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حتّى طافَ بالبيتِ فجعلَ يمرُّ بتلكَ الأصنامِ ويطعنُها بسِيةِ القوسِ ويقولُ ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهوقًا﴾ حتّى إذا فرغَ وصلّى جاءَ فأخذَ بعُضادَتيِ البابِ ثمَّ قال يا معشرَ قريشٍ ما تقولونَ قالوا نقولُ ابنُ أخٍ وابنُ عمٍّ رحيمٌ كريمٌ ثمَّ أعادَ عليهمُ القولَ ما تقولونَ قالوا مثلَ ذلِك قال فإنِّي أقولُ كما قال أخي يوسفُ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فخرجوا فبايعوهُ على الإسلامِ

الراوي:( عبد الحق الإشبيلي، الأحكام الشرعية الصغرى ( وقال: صحيح الإسناد وقوله: ما تقولون؟ يتضمن أسئلة كثيرة فهو يريد أن يقول لهم: ما تقولون يا من وضعتم على ظهري أحشاء البعير، يا من قتلتم سمية، يا من أكلتم كبد عمي حمزة، يا من حبستمونا في الشعب ثلاث سنين حتى تشققت أشداقنا من أكل جلود الحيوانات وجذوع الشجر، يا من هجرتمونا وجوعتمونا وقتلتم كل غال علينا، يا من تآمرتم علينا …. كل هذه المعاني وسواها تضمنها السؤال، وهي أفعال كل واحد منها يستحق الانتقام من فاعليه، فماذا كان الجواب: ابنُ أخٍ وابنُ عمٍّ رحيمٌ كريمٌ  وكان رده عليه الصلاة والسلام: (فإنِّي أقولُ كما قال أخي يوسفُ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ، أما طريقة الانتقام فقد مورست من قبل في المدينة حين ركز نبي الأمة على إصلاح النفوس، عندها فقط انتقم من المشركين انتقاما هائلا ومؤثرا فقد نقل من كان معه من وضع الضعف إلى وضع القوة، ومن وضع التفكك إلى وضع التماسك، من وضع الاستضعاف إلى وضع القوة، ولاشك أن هذا النوع من الانتقام هو الذي وضع الأساس لوجود أمة نجح أفرادها أن يصلوا إلى حدود الصين شرقا وأوروبا غربا. فأي نوعي الانتقام يحتاجه مسلم اليوم قتل الأعداء وتدمير ديارهم وسبي نسائهم وتعطيل مصالحهم أم إصلاح النفوس، وأي الطريقتين في الانتقام أكثر تأثيرا في نفوس الأعداء أن نصلح أنفسنا وواقعنا أم نكون سببا لتدمير غيرنا، وأي الطريقتين يرضى عنها الله ورسوله؟ وأي الطريقتين أبقى وأكثر تحضراً؟ وأيُ الطريقتين تُوَظِّفُ الطاقات وترتقي بها؟ وأي الطريقتين يمكن أن تؤثر في العدو وتفقده مبررات العدوان؟ لا شك أننا جميعا نعرف أي الطريقتين أفضل.